مفهوم الشخص


تمهيد


يحيل مفهوم الشخص في التمثل العامي إلى معاني البروز والظهور،أو المكانة الاجتماعية،الاقتصادية أو السياسية...وهذا المعنى نجده في لسان العرب لابن منظور: "رجل شخيص إذا كان سيدا ..." وتشير كلمة" Persona " اللاتينية إلى القناع الذي يضعه الممثل على خشبة المسرح للعب أو تشخيص دور معين...أما "لالاند" فميز في معجمه الفلسفي بين الشخص الطبيعي من حيث هو جسم ومظهر،والشخص المعنوي من حيث هو ذات واعية،والشخص القانوني من حيث أن له حقوقا وعليه واجبات.

يبدو إذن،أن مفهوم الشخص يحمل أكثر من دلالة؛ وهو ما يجعله يطرح صعوبة وتعقيدا ،فيما يتعلق بتحديد هويته،طبيعتها ومتجلياتها،قيمته، أسسها ومقوماتها، وتموقعه في إطار وضعه البشري الذي يسيجه بجملة من الإكراهات النفسية والاجتماعية، قد تفقده هويته وقيمته وحريته.

فما الشخص؟ ومن أين يستمد هويته وقيمته؟وهل هو ذات حرة أم كيان خاضع لإكراهات نفسية واجتماعية قد تتجاوز إرادته فتفقده هويته وقيمته وحريته؟ وما السبيل لتجاوز هذه الشروط و الإكراهات لكي يحقق الشخص هويته ويستعيد قيمته و يمارس حريته ؟

ـ الشخص والهوية


تعود الإرهاصات الأولى لإشكالية الهوية ، إلى الفلسفة اليونانية، فبالعودة إلى قولة سقراط "اعرف نفسك بنفسك "يتبين أن ما يميز الشخص هو قدرته على تكوين معرفة حول ذاته وتصرفاته وسلوكه رغم التغيرات المختلفة التي يمر بها في مسيرة حياته. فما الشخص؟ ومن أين يستمد هويته؟ هل يستمدها من بعده الفكري أم من بعده الحسي أم من بعده الروحي ؟
يؤكد الفيلسوف العقلاني "رونيه ديكارت"(1596ـ 1650) على أن الفكر هو ما يمثل هوية الشخص، فالتفكير خاصية ملازمة للذات من خلال ممارسة جملة من العمليات الذهنية ، مثل الشك و النفي والإثبات... وهي عمليات لا تنفصل عنها بل إنها دليل على وجودها الوجود اليقيني الذي لا يطاله الشك، وهذا ما نجد له صدى في عبارة الكوجيطو الشهيرة " أنا أفكر إذن أنا موجود " ومتى ما انقطعت الذات عن التفكير انقطعت عن الوجود . وعلى خلاف ديكارت يرى الفيلسوف التجريبي "جون لوك"(1632ـ 1704) أن التفكير وإن كان يجسد هوية الشخص، فإنه لا يخرج عن إطار الإحساس، فهو حصيلة احتكاك الذات بمحيطها الخارجي عن طريق الحواس (البصر، السمع، الذوق...) وبفضل الذاكرة يمتد الشعور بالهوية الشخصية رغم اختلاف الأمكنة والأزمنة. يقول "جون لوك" : " فالذات الموجودة الآن في الحاضر هي نفسها التي كانت في الماضي ، وهذا الفعل الماضي قد أنجز من طرف الذات نفسها التي تقوم باستحضاره في الذهن " .
إذا كانت نزعة "ديكارت" العقلانية ، قد أرجعت الهوية الشخصية إلى التفكير المجرد؛ وإذا كانت نزعة "جون لوك" التجريبية ، قد رأت في الفكر بما هو خبرات حسية والذاكرة ما يمثل هذه الهوية . فإن شخصانية "إيمانويل مونيي"(1905ـ 1950) ترفض اختزال الشخص في بعد واحد من أبعاد وجوده المتعددة ، فهو واقع كلي وشمولي لا يقبل التجزئ أو التصنيف في إطار انتماء طبقي أو سياسي أو ثقافي ... لأنه ليس موضوعا ، إنه بنيان روحي داخلي لا يدركه إلا الشخص ذاته .

تأسيسا على ما سبق، يتضح أن المواقف الفلسفية، تروم تحديد هوية الشخص بالنظر إليه كذات مفكرة.غير أنها تختلف في منظورها لطبيعة هذا الفكر ، فقد حصره "ديكارت" في الفكر المجرد، بينما ربطه "جون لوك" بالتجربة الحسية و الذاكرة ، في حين اعتبرته شخصانية "مونيي" روحا داخلية . وإذا كان من الصعب الإجماع حول معيار محدد للهوية الشخصية ؛ فإن ذلك يعود إلى الطبيعة المركبة للشخص، إذ لا يمكن الاقتصار على نعته بالذات المفكرة فحسب، بل إنه كائن حقوقي وأخلاقي أيضا ....

الشخص بوصفه قيمة
خلصنا من خلال النقاش السابق إلى أن هوية الشخص تقوم على استحضار مرجعيات متعددة و متداخلة ،لتحديد أسسها وفهمها ،لكن يبقى القاسم المشترك بين الفلاسفة ،هو أن الشخص ذات مفكرة ،عاقلة ،واعية قوامها الأنا كيفما كانت طبيعة وأسس بنائه وتكوينه ( التفكير/ العقل / الشعور / الذاكرة ...) .إلا أن قيمته تقترن بأبعاده الأخلاقية و الحقوقية ، فما الذي يؤسس البعد القيمي الأخلاقي للشخص؟ وبمعنى آخر ، من أين يستمد الشخص قيمته ؟ هل من كونه كائنا عاقلا أم من كونه كائنا أخلاقيا يسلك وفق قيم محددة؟
في سياق عرض نظريته للعدالة كإنصاف،يرى "جون راولز"(1921ـ 2002) أن قيمة الشخص تتأسس على كفاءاته العقلية والأخلاقية ، و المشاركة في الحياة الاجتماعية والتعاون مع الآخرين أفرادا كانوا أو جماعات وهيئات ؛ من منطلق أن المجتمع نظام للتعاون المنصف؛ فلا يمكن الحديث عن قيمة الشخص إلا إذا تبين بأنه كائن مفكر وكائن أخلاقي يروم العدل والخير والالتزام والمسؤولية. وفي ذات السياق ،يذهب" إيمانويل كانط" (1724ـ 1804) إلى أن الشخص لا يكتسي قيمته من عقله المجرد ، بل من التصرف وفق ما يمليه عليه عقله الأخلاقي العملي ، وٌيلزم احترامه ومعاملته كغاية في ذاته لا مجرد وسيلة ، عملا بالمبدأ الأخلاقي الأسمى ومفاده: "تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك ، كما في شخص غيرك دائما وأبدا ، كغاية وليس مجرد وسيلة" أي تصرف مع الآخرين كما تتصرف مع ذاتك ؛وهذا ما يمنح الشخص قيمة مطلقة ويكسبه احتراما لذاته ويلزم الآخرين باحترامه ، بأن يحافظ على كرامته، وأن يعتبر الآخر غاية لا مجرد وسيلة ، يسري عليه قانون العرض والطلب .أما التصور الهيجلي فينطلق من النظر إلى الشخص ، كقيمة أخلاقية بالأساس ؛ لا يمكنها أن تتحقق إلا بانخراطه داخل حياة المجموع، وتتجلى قيمة الأشخاص في امتثالهم لروح شعوبهم وتجسيدهم لهذه الروح . وهذا يقتضي من الشخص العمل على تحقيق بعده الأخلاقي وامتثاله للواجب ووعيه بالسلوك الخير الممثل للقانون ، والآخر المنافي له .
ومجمل القول، أن الخطاب الفلسفي ينظر إلى الشخص بما هو ذات عاقلة ومسؤولة ، تستوجب الاحترام والمعاملة بوصفها غاية لا مجرد وسيلة ، كما أن قيمته لا تتحدد في مجال الوجود الفردي بل في انفتاحه على الآخرين في إطار أشكال من التضامن الإنساني القائم على التعاون والالتزام بالمبادئ الأخلاقية ...
الشخص بين الضرورة والحرية
لقد مهدت العلوم الإنسانية الطريق أمام الإنسان للتعرف على الإكراهات والحتميات التي تتحكم فيه ، متقاطعة في ذلك مع بعض التوجهات الفلسفية الحتمية التي تنفي عن الشخص كل مبادرة للفعل الحر . فإذا كانت بعض فلسفات الوعي قد جعلت من الذات سيدة نفسها وأفعالها ، فإن هناك توجهات فلسفية وعلمية ، كشفت على أن الأنا ليس سيد نفسه وأفعاله ولو في عقر منزله الخاص . فكيف يمكن النظر للشخص ؟ هل باعتباره ذاتا حرة ، أم بوصفه كيانا خاضعا لشروط وإكراهات قد تتجاوز إرادته وتحد من حريته ؟ أليس بمقدور الشخص أن يتحدى هذه الشروط و الإكراهات وذلك من خلال نزوعه نحو التحرر وقدرته على الاختيار؟
لقد كشف رائد التحليل النفسي "سيغموند فرويد" (1856ـ 1938) على أن الشخص ليس سيد نفسه وأفعاله ، فالجزء الأكبر من سلوكاته وأفعاله يعود إلى حتميات لاشعورية ترتبط بتاريخ الفرد منذ طفولته المبكرة ؛ وذلك من خلال تفاعل مكونات الجهاز النفسي ، أي: "الهو" ويمثل الميول والدوافع و الغرائز ؛ "الأنا الأعلى" ويمثل القيم والمعايير الاجتماعية التي يتشربها الطفل من محيطه عن طريق التنشئة الاجتماعية، "الأنا" وتقوم بوظيفة تنسيقية بين رغبات "الهو" وإملاءات "الأنا الأعلى" وإكراهات العالم الخارجي . وهذا التفاعل يوضح أن الشخص محكوم بحتميات لا شعورية قد لا يعيها ، وتتجلى في مجموعة من السلوكات اللاواعية ( فلتات اللسان ، زلات القلم ، الأحلام ...) .وفي السياق نفسه ، يأتي موقف "باروخ اسبينوزا" (1632ـ1677 ) ليؤكد على أن الشعور بالحرية أو القول بحرية الفعل مجرد وهم ناتج عن وعي الإنسان بأفعاله وجهله بأسبابها الحقيقية الكامنة وراءها ، ومثال ذلك أن الحجر المتدحرج، يتوهم أنه يتحرك عن حرية واختيار ـ إذا ما افترضناه يتوفر على الوعي ـ في الوقت الذي يجهل العلة الخارجية التي كانت سببا في حركته، وبالمثل فالطفل الرضيع يشتهي الحليب والشاب المنفعل يريد الانتقام أو الهروب، والشخص الثرثار يعتقد أنه حر في أقواله في الوقت الذي يجهل الأسباب الحقيقية الكامنة خلف سلوكه. وعلى خلاف ذلك تقر شخصانية "إيمانويل مونيي" (1905ـ 1950) على أن الشخص كائن حر وهو الذي يقرر مصيره و يتخذ قراراته دون وصاية من أحد فردا كان أو جماعة ، وذلك في إطار مجتمع يكفل لأفراده الحماية والوسائل اللازمة لتطوير ميولاتهم وتنميتها ، بعيدا عن كل نزعة تنميطية وتحكمية لا تؤمن بالاختلاف ؛ فالشخص ليس وسيلة ، كما لا ينبغي أن يقوم أحد مقامه في اتخاذ قراراته، فحرية الشخص مشروطة بوضعه الواقعي .
تأسيسا على ما تقدم ، يتضح أن الوضع البشري يسيج الشخص بجملة من الشروط والإكراهات ، النفسية والاجتماعية والثقافية ؛ والتي قد تتجاوز إرادته . غير أن قدرته على التخطيط لمشاريعه وتحقيق تطلعاته ، لا تنفي قدرته على الفعل و الاختيار...

 

مراد رهناوي2012
philo.me.ma © 2017.Free Web Site